دروس في الفلسفة (في جمهورية النيجر)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دروس في الفلسفة (في جمهورية النيجر)

مُساهمة  محمد اجهبلي في الجمعة يونيو 10, 2011 11:39 pm

جمهورية النيجر
منطقــة طاوا
مفتشية التعليم الثانوي العربي الفرنسي
المعهد الثانوي العربي الفرنسي (طاوا)
CES/FA/TAHOUA

إعداد الأستاذ :  محمد أجهبلي



يناير 2010

درس الشخصية
1. الشخص والهوية الشخصية                                    
استشكالات أولية:
رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته، فإن كل واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير أن هذه الوحدة التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة. بل إن البديهي يشكل الموضوع الأثير والمفضل للفكر الفلسفي. ويمكن القول أن الفيلسوف يصادف إشكالية الوحدة المزعومة للهوية الشخصية في معرض بحثه في الماهيات والجواهر. يتساءل الفيلسوف: إذا كان لكل شيء ماهية تخصه، بها يتميز عن غيره، فهل هناك ماهية تخص الفرد، بها يتميز عن غيره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنه ما من صفة فيه، جسمية أو نفسية، إلا ويشاطره التخلق بها عدد قليل أو كثير من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاريخ، فهل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟ وهل هذا الجوهر كيان ميتافيزيقي مكتمل التكوين منذ البدء، أم أنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير؟ .
أ-ثبات الأنا  واستمرار يته  في الزمان :
موقف ديكارت: التصور الجوهراني  الماهوي للهوية الشخصية نلاحظ أن الفرد يستطيع التفكير في الموجودات الماثلة أمام حواسه أو المستحضرة صورتها عبر المخيلة، ولكنه يستطيع أيضا التفكير في ذاته ، في نفسه هذه التي تفكر !! يسمى هذا التفكير وعيا وهو نفس الوعي الذي اعتمد عليه ديكارت في " الكوجيطو" وخصوصا وعي الذات بفعل التفكير الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبيعة المفكرة للذات التي تقابل عند ديكارت طبيعة الامتداد المميزة للجسم .
تساءل ديكارت في التأمل الثاني: "أي شيء أنا إذن؟ " وأجاب: " أنا شيء مفكر "
ولكن هل وراء أفعال الشك والتذكر والإثبات والنفي والتخيل والإرادة...هل وراءها جوهر قائم بذاته؟ يجيب ديكارت بنعم : إنها النفس، جوهر خاصيته الأساسية التفكير، أي أن للكائن البشري طبيعة خصائصها هي أفعال التفكير من شك وتخيل وإحساس ...وهي ما يشكل الهوية الشخصية للكائن البشري، بل إنها صفته الأكثر يقينية، والأكثر صمودا أمام أقوى عوامل الشك
موقف جون لوك :نقد التصور الجوهراني الماهوي: ليست الهوية الشخصية سوى ذلك الوعي أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا  يرى "جون لوك" أن ما يجعل الشخص " هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان إذن فـ" لوك" و "ديكارت" مجمعان بأن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر و -يضيف التجريبي لوك- يشم ويتذوق ! ولكنهما يختلفان فيما يخص وجود جوهر قائم بذاته يسند هذا الوعي وهذه الاستمرارية التي يستشعرها الفرد؛، والواقع أن " الجوهر المفكر" -من وجهة نظر المحاكمة الحسية- كينونة ميتافيزيقية لا يسع لوك قبولها انسجاما مع نزعته التجريبية التي لا تقر لشيء بصفة الواقعية والحقيقة ما لم يكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس، وباختصار فالهوية الشخصية تكمن في فعل الوعي، وعندما يتعلق الأمر بالماضي يصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل هذا لكي يتجنب لوك  القول بوجود جوهر مفكر، أي أن الهوية لا تقوم في أي جوهر مادي كان أو عقلي، ولا تستمر إلا مادام هذا الوعي مستمرا
موقف دافيد هيوم : النقد الجذري للتصور الديكارتي الماهوي دافيد هيوم فيلسوف تجريبي،لا يعترف بغير الانطباعات الحسية مصدرا أولا للأفكار، وعليه فلكي تكون فكرة ما واقعية، فلابد لها أن تشتق من انطباع حسي ما، والحال أن فكرة "الأنا " أو "الشخص" ليست انطباعا حسيا مفردا، بل هي ما تنسب إليه مختلف الانطباعات. وإذا ما وجد انطباع حسي مولد لفكرة "الأنا" فلابد أن يتصف هذا الانطباع بنفس صفات الأنا وهي الثبات والاستمرارية طيلة حياتنا، والحال أنه لا وجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأهواء والإحساسات...، حالات شعورية تعاقب ولا توجد أبدا متزامنة أو مجتمعة. وعليه ففكرة الأنا لا يمكن أن تتولد عن هذه الانطباعات ولاعن أي انطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل هذه الفكرة واقعيا، ومن باب أولى ينبغي الامتناع عن أي حديث عن الهوية الشخصية                          كجوهر  قائم  بذاته.

ب - الذاكرة والهوية الشخصية
بغض النظر عما إذا كانت الهوية جوهرا قائما بذاته أو تعاقبا لحالات شعورية متباينة، فإن الهوية ليست كيانا ميتافيزيقيا مكتمل التكوين منذ البدء، إنها سيرورة سيكولوجية تجد سندها لمادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير سبق لــ ابن سينا أن لاحظ، في هذا الإطار، بأن فعل التذكر هو الذي يمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها.ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها . إذا كانت الذاكرة هي ما يعطي لشعور الشخص بأناه  وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان، كما يلاحظ جون لوك، مرهون باتساع أو تقلص مدى لذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته . لهذا السبب، وعندما يتساءل برغسون عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيري،يجيب ببساطة : إن الوعي ذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها. ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو الأرقى ليس مقدرة غريزية  أو إشراقا فجائيا، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغير .
2. الشخص بوصفه قيمة
استشكالات أولية:
ما الذي يؤسس البعد القيمي-الأخلاقي للشخص؟ وهل يمكن فلسفيا تبرير الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤوليته والتزامه كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية أفعالها ؟
يستفاد من المحورين السابقين أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين - أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه أو مزاجه أو ثروته- هو ذات مفكرة، عاقلة، واعية قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، وذلك بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة ... ولكن ما فائدة هذا التجريد النظري على المستوى العملي؟ هل يمكن أن نرتب عليه نتائج أخلاقية ملموسة؟
أ‌ موقف كانط:العقل أساس قيمة الشخص وكرامته
انطلاقا من هذا التجريد، ذهب كانط بأن الإنسان هو أكثر من مجرد معطى طبيعي،إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامة أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر.إن قدرته كذات أخلاقية على أن يشرع لنفسه مبادئ يلتزم بها بمحض إرادته، هي ما يعطيه الحق في إلزام الآخرين باحترامه أي التصرف وفق هذه المبادئ. وما دام هذا العقل الأخلاقي ومقتضياته كونيا، فإن الإنسانية جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما يستوجب احترامه ومعاملته كغاية لا كوسيلة والنظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء. وهذا الاحترام الواجب له من طرف الغير لا ينفصل عن ذلك الاحترام الذي يجب للإنسان تجاه نفسه،إذ لا ينبغي له أن يتخلى عن كرامته، وهو ما يعني أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة، .
لقد كتب كانط هذه الأفكار في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" في القرن الثامن عشر .وصحيح أن القرن العشرين قد شهد تحسنا كبيرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفيف من الميز ضد النساء...، بيد أنه عرف أيضا أهوال حربين عالميتين جسدتا واقعيا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إليهما حروب محلية شهدت أبشع أنواع التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال... مما جعل التأمل الفلسفي، في القرن العشرين يعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدية وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى، "
ب‌      موقف طوم ريغان:قيمة الشخص نابعة من كونه كائنا حيا حاسا
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بها هذه الكائنات،بما يجعل منها ذواتًا أخلاقية، فإن طوم ريغان يعتبر هذا التأسيس غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة .
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة واعية أي كائنات حية تستشعر حياتها، بما لديها من معتقدات وتوقعات ورغبات ومشاعر مندمجة ضمن وحدة سيكولوجية مستمرة في الماضي عبر التذكر ومنفتحة على المستقبل من خلال الرغبة والتوقع...، مما يجعل حياتها واقعة يعنيها أمرها، بمعنى أن ما يحدث لها، من مسرة تنشدها أو تعاسة تتجنبها، يعنيها بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخرأم لا؟  ويمضي توم ريغان بهذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جميع المخلوقات التي يمكنها أن تكون «قابلة للحياة»، أي مواضيع لوجود يمكن أن يتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليها، تمتلك قيمة أصلية في ذاتها وتستحق أن تحترم مصالحها في عيش حياة أفضل ..
إذا كان تصور طوم ريغان يتجاوز بعض مفارقات التصور الكانطي، فإنه يثير مفارقات لا تقل عنها إحراجا لأن معيار "الذات الحية التي تستشعر حياتها" يلزمنا بإضفاء قيمة أصيلة مطلقة ليس فقط على الكائنات البشرية، بل وحتى الحيوانات وبالخصوص الثدييات التي سنصبح مطالبين بمعاملتها كغاية لا كمجرد وسيلة !
3. الشخص بين الضرورة والحتمية
استشكالات أولية:
يبدو أن مدار الحديث عن مفهوم الشخص - كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية أفعالها - ينحصر في قضيتين: الكرامة والمسؤولية. يشير المفهوم الأول إلى ما يحق للمرء التمتع به بوصفه شخصا، بينما يشير المفهوم الثاني إلى ما هو ملزم أو ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أيضا. بحثنا المفهوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفهوم الثاني، فمن اليسير أن نتصور بأن المسؤولية لا تنفصل عن صفة أخرى وهي الحرية التي يطالب بها الفرد كجزء من كرامته، وهذه المرة أيضا، بوصفه شخصا .
لن نتوقف عند الحريات السياسية لأن المانع دونها جلي واضح، وهو النظام السياسي ومختلف أشكال التضييق والقمع التي يمارسها على حرية الأفراد في التجمع والتعبير، سيقتصر بحثنا فقط على الحرية التي يحاسب الشخص بموجبها أخلاقيا من قبل الغير أو من قبل ضميره الشخصي (تأنيب الضمير) ؛أو تلك الحرية التي تترتب عنها المسؤولية المدنية أو الجنائية والتي بموجبها يحاسب المرء قانونيا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولية أي توفر عنصر الحرية والاختيار، وبناءا عليه يعرض المتهم نفسه للعقوبات المقررة
هل هذه الحرية المفترضة موهومة، لأن الشخص يرزح تحت وطأة مجموعة من الإكراهات والإشراطات التي لا يطالها وعيه أحيانا، أم أن الشخص البشري ليس موضوعا ولا تجوز في حقه مقولات العلم وعلى رأسها الحتمية؟
أ‌ موقف العلوم الإنسانية: تتمثل الضرورة في خضوع الشخص لحتميات تتجاوز وعيه وتلغي حريته
في المحورين السابقين تمت مقاربة مفهوم الشخص من زاوية الوعي وبشكل مجرد من كل تعيين، بيد أن الكائن البشري بنية سيكوفيزيولوجية وكائن سوسيوثقافي، فلا يسعه الانفعالات من قوانين الفيزيولوجيا والمحددات النفسية والإكراهات السوسيوثقافية .
إن تجاهل هذه الشروط هي ما يجعل كل إنسان يعتقد أنه السيد في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصيته،هناك مذاهب فلسفية كثيرة قامت على فكرة الحتمية الكونية الشاملة فلم تر في الشعور بالحرية سوى وهم ناتج عن جهل بسلسلة العلل والأسباب، وكما يقول اسبينوزا، فإنا الناس يعون حقا رغباتهم لكنهم يجهلون العلل الخفية التي تدفعهم إلى الرغبة في هذا الموضوع او ذاك. ويبدو أن العلوم الإنسانية المعاصرة تقدم دلائل إضافية داعمة للتصور الحتمي السبينوزي،: فالتحليل النفسي مثلا يرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثير من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو اللاشعورية ذات الطبيعة الجنسية أو العدوانية. هذا الهو الذي قال عنه "نيتشه": وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، إسمه الهو. في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"، بل إن بول هودار يذهب إلى حد القول بأن: " كلام الإنسان كلام مهموس له به من طرف الهو، الذي يعبر عن نفسه في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته !!"
أما بالنسبة لعلماء الاجتماع والأنثربولوجيا، فإن طبقات مهمة في الشخصية لا تعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوظيفية لجماعة الانتماء، بحيث يمكن القول مع دوركايم أنه كلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله. وإذا كانت التنشئة الاجتماعية تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن هذه الثقافة بدورها حسب التحليل الماركسي ليست سوى انعكاس للبنية التحتية المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لا العكس .
حاصل الكلام هو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية، لأن البنيات النفسية الاجتماعية اللغوية... هي التي تفعل وليس الذات أو الفرد. هل يمكن بعد كل هذا الحديث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القيام بعمل إرادي؟ هل للسؤال "من أنا " بعد من قيمة؟ !!
ب‌   موقف سارتر ومونييه :إن كون الكائن البشري شخصا هو بالضبط ما يسمح له بأن يبارح مملكة الضرورة؟
رغم كل ما ذكر فإن الإنسان لازال يقنع نفسه بأن له شيئا يفعله، شيئا يبقى عليه أن يفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتًا ووعيا يمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتميات الشارطة يمثل خطوة أولى على طريق التحرر من تأثيرها وإشراطها المطلق، لقد اشتقت الوجودية مقولة " أسبقية الوجود على الماهية " من خاصية الوعي،، لأن الإنسان ليس وجودا في ذاته كالأشياء، بل وجودا لذاته: يوجد ويعي وجوده، مما يجعل وجوده تركيبة لانهائية من الاختيارات والإمكانيات؛ وعلى عكس الطاولة أو الشبل اللذان يتحدد نمط وجودهما بشكل خطي انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو الحديث عن شخصيته على نحو قبلي مسبق . صحيح أن الفرد يحيا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعية محددة اجتماعيا وتاريخيا، لكن ردود أفعاله واختياراته لا تحددها هذه الشروط الموضوعية وحدها، بل وأيضا المعنى الذاتي الذي يفهم بموجبه هذه الشروط والأوضاع مما يفسح مجالا واسعا للحرية وانفتاح الممكنات. من هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم عليه بأن يكون حرا، وبان الإنسان ليس شيئا آخر غير ما يصنع  بنفسه . ونستطيع استثمار أطروحة سارتر التي أتينا على ذكرها للقول بأن الإنسان ليس آلة إلكترونية، حتى لو أضفنا لها صفات الذكاء والصنع المتقن كما يقول إيمانويل مونييه الذي يرفض كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع لأن البشر ليسوا صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية بمعنى أن كل المعرفة الوضعية التي راكمتها العلوم الإنسانية لا يمكنها أن تستنفذ حقيقة الشخص الذي يظل أكثر من مجرد شخصية أي أكثر من مجرد نظام سيكوفيزيولولجي وسوسيوثقافي
نلاحظ أن وجودية سارتر وشخصانية مونييه يتقاطعان في رفض الخطاطة التبسيطية التي تجعل الشخص والظاهرة الإنسانية عموما ظاهرة خاضعة على غرار الظواهر الطبيعية لمقولات العلم الموضوعي وعلى رأسها الحتمية، إن الإنسان بالنسبة لفلاسفة الحرية تجربة ذاتية منغرسة في العالم لا تتوقف عن إبداع نفسها ولكن تقول العلوم الإنسانية: إنه لا يبدع ولا يعبر إلا عن مجمل الشروط التي يتلقى !


خلاصة:
إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع "الشخص"، فسنقول بأن الشخص، تلك الوحدة الصورية، ذلك الكائن المفكر العاقل والواعي...الخ ينطوي في المستوى المحسوس على شخصية هي حصيلة تفاعل بين عوامل باطنية وأخرى متعلقة بالمحيط الخارجي، إنها ذلك الشكل الخاص من التنظيم الذي تخضع له البنيات الجسمية، النفسية والاجتماعية. صحيح أن هذا التنظيم يخضع لعوامل ومحددات موضوعية كثيرة، لكن ذلك لا يلغي دور الشخص في بناء شخصيته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكاليا متعدد الأبعاد، فما ذلك إلا لأن دراسة الشخص ليست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه .




درس الغير:
إن مفهوم الغير عادة ما يستعمل للإشارة إلى ذلك الآخر من  الناس المتميز عن الأنا(فردية كانت أو جماعية). وتتأسس أسباب الشعور بالتمايز على عوامل مختلفة (العرق، الثقافة، السن، الجنس، التراتُبِيَّات الاجتماعية، ...الخ)، ويمكن أن ينجم عن ذلك إما علاقات إيجابية    (مثل الصداقة، التسامح، التعاون، ...الخ). ويمكن، على العكس، أن تتولد بين الأنا والغير علاقات سلبية (مثل الإقصاء، العنصرية، العنف، ...الخ). إن مثل هذه التقابلات هي التي تدفع التفكير الفلسفي أن يهتم بمفهوم الغير محاولا أن يحدد مدى تأثير أحدهما في الآخر وطبيعة كل منهما بالنظر إلى الطرف الثاني. والجدير بالذكر، أن التفكير الفلسفي عادة ما يثير هذه الإشكالية، إما في إطار علاقة السلب أو المماثلة. ويمكن تحديد السلب باعتباره مفهوما يستعمل كمرادف للتميز، وأما المماثلة فتشير على العكس إلى التطابق بين الأنا والغير. كما يعتقد المفكرون أن بروز إشكالية الغير يرتبط بالفلسفة الحديثة: فهناك من يربط تلك النشأة بهيغل وذلك في إطار ما يعرف اصطلاحا ب"جدلية السيد والعبد" (أنظر اللاحق)، وهناك من يربطها بديكارت خصوصا لما رفض الفيلسوف الاستعانة بالإرث المعرفي مما قد يؤل فلسفيا باعتباره إقصاء للغير خاصة وأن الأنا تستطيع - في اعتقاد ديكارت - أن تبني المعرفة دونما حاجة إلى الغير. إن أشباه هذه التمثلات هي التي تدفع طرح التساؤلات التالية : ما هو الغير؟ وكيف يمكن أن يؤثر وجوده في الأنا؟ هل نستطيع أن نتمثل الغير كما هو بالنظر إلى ذاته؟ ما نوعية العلاقة القيمية التي يمكن أن تتأسس بين الأنا والغير?
1. وجود الغير
إن إشكالية وجود الغير، من القضايا التي ركزت عليها الفلسفة الوجودية، ويعتبر هيدغر Heidegger ممن عالجوها من خلال طبيعة علاقة التفاعل التي يمكن أن تجمع الأنا بالغير. حيث يعتقد الفيلسوف أن الأنا لا تستطيع المحافظة على فردانيتها عندما تكون مع الغير، لأن الوجود-مع-الغير يقضي على كل خصوصية وتميز، ومن ثم تذوب الأنا في ذلك الوجود وترفع، بذلك، من سلطة الغير. هكذا يصبح التماثل في أنماط السلوك هو المهيمن، بحيث تصبح الذات مفتقدة داخل الوجود المشترك. وعلى هذا الأساس، يرى هيدغر أن الأنا تسمح للضمير اللامعين On من بسط هيمنته.هكذا يمكن أن نتحدث بهذه الصيغة فنقول مثلا     " هناك من أراد ذلك، كما يمكن القول "لا أحد" أراد ذلك". إن هذا الضمير يستمد سلطته من تأثير وجود الغير بحيث لم يعد وجود الإنسان يتحدد في وجوده الفردي ومن ثم "أصبح الإنسان لا أحد".

إذا كان تصور  هيدغر  يتأسس على المماثلة، على الأقل على مستوى الشعور، والسلوكات، والمواقف، التي تقود إلى نمطية في العلاقة بالغير تفرغ الأنا من كل ذاتية متفردة ؛ فإن سارتر، على العكس، يعتقد أن العلاقة الأولية بين الأنا والغير هي علاقة سلب، وبالتالي انعدام العلاقة. ومن ثم يصبح القول "أنا لست فلانا" شبيها بالحكم الأنطولوجي "الطاولة ليست كرسيا". هكذا يتبن أن العلاقة، بين الأنا والغير، هي علاقة موضوع بموضوع. إن ذلك لا يعني أن محاولة الانفتاح عن الغير قد تؤدي إلى انكشاف ذاتيته، لأن كل محاولة لمعرفة الغير تحوله إلى موضوع، والعكس صحيح. وقد حاول سارتر، من خلال مثال الخجل، أن يرمز إلى هذه العلاقة حينما بين أن الأنا بالنظر إلى ذاتها كينونة يفترض أن تمارس ذاتيتها وتحيى كينونتها، لكن بمجرد أن ترفع بصرها فتكتشف آخر ينظر إليها حتى تتوقف تلقائيتها، وتقضي على حريتها فتحس بالخجل. لأن الأنا أصبحت تنظر إلى نفسها بنظرة الأخر إليها، وذلك ما يفيد أن الغير يتمثل الأنا كمعطى خارجي يكونه ضمن تجربته الخاصة (تماما كما تفعل الأنا بالغير).
2. معرفة الغير
إن موقف سارتر يجعلنا ندرك أن هذا الفيلسوف يؤكد ضمنيا استحالة معرفة الغير كما هو بالنظر إلى ذاته، وذلك ما يدفع إلى طرح السؤال التالي : هل معرفة الغير ممكنة؟
إذا كان سارتر يميل إلى التأكيد على استحالة معرفة الغير، لأن الأنا تتمثله بوصفه موضوعا، فإن غاستون بيرجي G. Berger يرى أن استحالة معرفة الغير ترجع إلى طبيعة الذات البشرية : فبقدر ما تنتشي الذات بعزلتها وانغلاقها على نفسها، بقدر ما يشكل ذلك عائقا يحول دون القدرة على اقتحام بواطنها. إن ذلك لا يعني أننا لا نستطيع مشاركة الآخرين إحساساتهم، وأن نحاول إبراز بوادر المودة والعطف نحوهم، وإنما المقصود أننا لا يمكن أن نحس بالأمور كما يحسون بها، ومن ثم يصعب الحديث عن مماثلة تامة بين شعور الأنا وشعور الغير. هكذا،تظل كل ذات سجينة نفسها على المستوى الوجودي. إن ذلك ما يجعل الفيلسوف يعتقد أن قدر الإنسان يتحدد في عدم القدرة على تحقيق رغبته في التواصل.
وفي نفس التوجه، يبين نيكولا مالبرانش N . Malebranche أن كل فرد متأكد أنه يشاطر الناس مجموعة من المعارف والحقائق. بل إن الفرد قد يكون متيقنا بأن هناك مطابقة تامة بين معارفه ومعارف الغير، إلا أن ذلك لا يسري على معرفة خصوصيات الذات، لأننا لا نعرف المميزات العقلية والنفسية للآخرين بشكل دقيق. كما لا نستطيع الجزم على أن انفعالات الآخرين وميولاتهم تماثل ميولاتنا تماثلا تاما. ومن ثم، فإن الأحكام التي تصدرها الأنا عن الغير كثيرا ما تتسم بالخطأ، بل إن الفيلسوف يرى أنه من الخطأ الحكم على الآخرين انطلاقا من ذواتنا.
إذا كانت بعض الواقف الفلسفية تعبر عن استحالة معرفة الغير، فإنه يمكن أن نجد، في المقابل، مقاربات فلسفية تؤكد أن معرفة الغير ممكنة، ذلك ما يمكن أن نلمسه عند إدموند هوسرل E. Husserl. فقد حرص هذا الفيلسوف، على أن يبين أن المماثلة هي أساس معرفة الغير. فالآخرون موضوعات خارجية لكن الأنا لا تتعامل معهم ولا تدركهم بهذه الصورة، وإنما تتعامل معهم انطلاقا من وعيها بنفسها: فإذا كان للأنا شعور بتجربتها المتعالية الخاصة عن العالم، وعن الآخرين، فإن للغير بدوره يملك نفس الوعي بتجربته. هكذا يتبين أن لكل من الأنا والغير تجربة ذاتية، ومن هذا المنطلق تتوحد الأنا بالغير من خلال "عالم بينذاتي"، موجود لدى كل واحد من الناس. وعليه، فإن الأنا تستطيع أن تعرف الغير انطلاقا من مماثلة ذاتها بذاته : بحيث تدرك الأنا الغير من العلاقة البينذاتية أنهما يملكان وعيا متماثلا تجاه العالم ولآخرين. ومن ثم، فإذا لاحظت انفعالا باديا عن الغير، فإنه ذلك يجعلني أستطيع أن أحدد طبيعة انفعاله انطلاقا من وعيي الخاص بذاتي.
أما ماكس شيلر M. Scheler ، فإنه يؤكد أن معرفة الغير ممكنة، من خلال مظاهره الفسيولوجية (الخارجية)، حتى لو تعمد إخفاء شعوره أو حاول أن يظهر خلاف ما يبطن.             ومعنى ذلك، أن الفيلسوف يرفض تمثل الغير من خلال نظرة ثنائية، تجزئه إلى جانب قابل للإدراك الداخلي و آخر قابل للإدراك الخارجي. فشيلر يؤكد أن الغير كلية (أو وحدة) ينصهر فيها  الداخلي بالخارجي، لذا لا يمكن أن نعتبره كائنا غريبا عنا.
إذا كانت التصورات الفلسفية السابقة تحاول أن تعالج إشكالية علاقة الأنا بالغير من الناحية المعرفية، فإن ذلك يؤدي إلى طرح التساؤل عن طبيعة العلاقة القيمية التي يمكن أن تكون بين الأنا والغير، هل هي علاقة تقارب ؟ أم علاقة تهميش وإقصاء ؟
3. العلاقة مع الغير
لقد بين ألكسندر كوجيف A. Kojève كيف كان هيغل يحدد العلاقة بين الأنا والغير في إطار "جدلية السيد والعبد". وذلك لما أكد أن الطبيعة البشرية في أصلها تدفع إلى صراع حتى الموت. وبما أن هذا الصراع يهدد الوجود الإنساني لكونه يقود حتما إلى انقراض النوع البشري، ينكشف نوع من الوعي بالذات الذي يقود مبدئيا إلى أن يدرك الإنسان نفسه كموجود لذاته. وذلك ما يحتم على الفرد أن ينتزع اعتراف الآخر. هكذا تدخل كل من الأنا والغير في صراع  إلى أن يكون أحد الطرفين منتصرا والآخر منهزما، فيبقي المنتصر على حياة المنهزم لينتزع اعترافه، وذلك بتحويله إلى وسيط بينه وبين الطبيعة، ويفضل المنهزم أن يظل في خدمة المنتصر بدل الموت. فالانتصار، إذن، يحول أحدهما إلى سيد والهزيمة تحول الآخر إلى عبد. ذلك ما يسمح بظهور شكلين من الوعي، أحدهما وعي مستقل والآخر وعي تابع.
إذا كان التصور السابق يتمثل العلاقة بين الأنا والغير على أنها علاقة صراع ؛ فإن الفيلسوف الوضعي أوغست كونت A .  Comte يرى، أن على الفرد أن يحس بأنه مدين للإنسانية بكل ما يملك من مواهب، وقدرات مادية ومعنوية. فالإنسان يتشكل وينمو ويتكون في ظل الحماية التي يوفرها له الآخرون كما أن خيرات كثيرة وصلته من أناس لن يتمكن أبدا من التعرف عليهم. إن وصول الإنسان إلى الحالة الوضعية التي تمثل حالة نضج العقل البشري، وبالتالي الحالة التي يتم فيها الاحتكام أساسا إلى العلم، تحتاج إذن إلى نوع جديد من القيم الأخلاقية، قيم قابلة للاختزال في الغيرية وذلك غير متاح إلا بتجاوز الأهواء الشخصية والأنانية. هكذا، يتوجب على كل واحد أن يدرك أن عليه أن يحيى من أجل الغير. فالحياة البشرية لن تستمر إلا أدرك أفراد المجتمع ضرورة مساعدة بعضهم البعض، وأن استمرارهم يتعلق بما يفعل بعضهم لبعض.
وفي العصر الراهن، نجد أفكارا تحاول أن تقف ضد أشكال الإقصاء والتهميش، وذلك ما يمكن أن نلمسه عند جوليا كريسيفا J . Kristeva  لما توقفت عند المعنى الحقوقي للغريب، واعتبرته معنى سطحيا. إن هذا المعنى يسلُب حق المواطنة وحق الانتماء من الدخيل على المجتمع، ويمكن الجماعة أن تنسب إليه جميع الشرور التي تحدث. إن من شأن هذا المعنى أن يدخل بعض السكينة على الأفراد لكنه لا يفضح بما فيه الكفاية طبيعة الجماعة فيظهرها في صورة مجتمع يعمل على إقصاء الغير ورفض تميزه واختلافه.
وفي مقابل المعنى الحقوقي، ترى كريستيفا أن الغريب يتمثل في تلك القوة الخفية التي تسكننا جميعا والتي تعبر عن التناقضات والاختلافات الداخلية التي غالبا ما يتم السكوت عنها، لأن هذا الغريب يجعل الحديث عن الـ"نحن" إشكالية، يصعب معها الحديث عن تماسك الجماعة. وحينما نعترف أن "الغريب يسكننا على نحو غريب" سنكف على نبذه.

خلاصة:
كتخريج عام ، يتبين أن مفهوم الغير إشكال فلسفي يحمل في ذاته التعبير عن علاقة بين الذات والغير. ويجعل الذات تحاول أن تنكشف لنفسها، ومن خلال ذلك تحديد طبيعة الغير، وبالتالي طبيعة العلاقة التي يمكن أن تربطها بالغير. وما أحوجنا اليوم إلى إعادة النظر في هذا المفهوم، فنحاول تحديده بالنظر إلى الذات الفردية والجماعية، الأمر الذي يحتم ( قبل ذلك وبعده) أن نحدد خصوصية الذات وطبيعتها وهويتها، في وقت أصبحت فيه مفاهيم الذات والغير معومة بشكل يجعلها عرضة لكثير من الخطابات هي أقرب إلى السفسطة منها إلى الحكمة والتعقل.
                       





درس الحرية:
إن الحرية مفهوم يمكن أن يدرك من خلال الخطاب الذي نمارسه بمعان متغايرة. فالحرية بالنسبة للعبد هي أن يكون سيد نفسه، والحرية بالنسبة لبلد محتل تتجلى في جلاء المستعمر. والحرية بالنسبة لشخص تعوله الأسرة تتجلى في اليوم الذي يستطيع فيه تأمين حاجياته بنفسه. إلا أن التفكير الفلسفي دأب في إتيان مقاربات تحاول أن تجد منطلقاتها في تحديد حقيقة الإنسان تارة وفي علاقة الفرد بمجتمعه تارة أخرى، وبالتالي التفكير في طبيعة الحرية ذاتها وفيما إذا كانت فردية أو مؤسساتية. إن هذه الشذرات تستطيع أن تساعدنا على إثارة تفكير فلسفي أولي حول مفهوم الحرية (رفقة ثلة من المفكرين والفلاسفة) من خلال الاستئناس بالتساؤلات التالية :هل تقود الحتمية إلى إقصاء مطلق للحرية؟ ما هي طبيعة العلاقة الموجودة بين الحرية والإرادة؟ هل يمكن اعتبار الامتثال للقانون إقصاء للحرية؟
1. الحرية والحتمية  ( * )
يؤكد عبد الله العروي، أنه على الرغم من أن التجربة بينت أن بإمكان العلم أن يخدم الحرية أو يلغيها، تعود الناس أن ينظروا إلى نتائجه بتوجس وارتياب: فكلما تقدم العلم، تولد عند الناس هاجس من الخوف يستشعرهم بأن حريتهم أصبحت مهددة. كما بين المفكر أن إشكالية العلاقة بين الحتمية والحرية تمتد جذورها في التاريخ، حيث كانت في القرون الوسطى تندرج ضمن ما يعرف ب"مسألة الجبر والاختيار"، في الوقت الذي تتجه فيه، اليوم، نحو محاولة إيجاد موقع للتصالح بين الوجدان والعلوم الطبيعية.
ويمكن اعتبار موقف ابن رشد، من المواقف الإسلامية التي تتحرك في إطار مسألة الجبر والاختيار لتتجاوزها. هكذا نجد الفيلسوف، يؤكد، بأن الفعل الإنساني الذي يتجه إلى معرفة أسباب الموجودات الخارجية، نابع من قدرة الإنسان ذاته. ولكن إذا تأملنا أسباب الموجودات نجدها ترجع إلى الخالق. بل إنه سبحانه، من وهب الإنسان القدرة على إتيان الأسباب ومعرفتها. من هذا المنطلق، يبدو أن ابن رشد، يسعى إلى موقعة الفعل الإنساني بين الحرية والحتمية وذلك من خلال التوفيق بين الحرية في الفعل والقدرة الإلهية. إلا أن الفيلسوف يريد أن يناقش، أيضا، بعض التصورات الكلامية التي تلغي العلاقة بين الأسباب والنتائج، لأنه يعتبر هذا الإلغاء قولا سفسطائيا ومبطلا للعلم.
أما الفيلسوف المعاصر ميرلوبنتي Merleau-Ponty ، فإنه ينطلق من نقد توجهين : فهو ينتقد، من جهة، الطرح الذي يؤكد أن الحرية لا تكون إلا مطلقة. و ينتقد، من جهة أخرى، الطروحات التي تؤكد أن الوجود البشري قائم على الحتمية فقط، لأنه إما خاضع أسباب موضوعية أو لأسباب داخلية.
ويرى الفيلسوف، في مقابل ذلك، أن الفعل البشري فعل حر في سيرورته وتحديد غاياته. فالفرد من يختار مراحل فعله بكامل الحرية. إلا أن ذلك، لا يقود مبدئيا إلى تأكيد حرية مطلقة، لأن منطلق الفعل ليس بالضرورة من اختيار الفرد. فقد حدثت عوارض حتمت على الفرد أن يتخذ إزاءها مواقف أو أن ينهج سلوكات. فالمواقف والسلوكات وحدها تعبر عن الحرية، أما أسبابها فهي مفروضة على الذات. وعليه، يتصور ميرلوبنتي الفرد باعتباره بنية سيكولوجية وتاريخية، يتداخل فيها ما هو ذاتي بما هو موضوعي. ومن ثم يمكن اعتبار الإنسان كملتقى لسلسلة من العلاقات ليس من المهم معرفة مصادرها، لأن تلك العلاقات في حد ذاتها تجسد الأهم.
إن ما عبر عنه الفيلسوفان السابقان يدعو إلى طرح التساؤل عن نوعية العلاقة التي يمكن تكون بين الحرية والإرادة.
2. الحرية والإرادة
ينطلق كانط من موقف فلسفي أخلاقي يحدد فيه حقيقة الإنسان في وجوده العقلي : فإذا كان الإنسان يتميز بالعقل، فإن هذا الأخير هو الذي يضمن للحرية والإرادة معناهما. بل، إن العقل، هو الذي يضمن للقانون الأخلاقي مصداقيته.. ومن ثمة لا يمكن للإنسان أن يسمو بذاته فوق الأشياء إلا باعتبار النشاط الإنساني مؤسسا على الواجب الأخلاقي، وبالتالي نشاطا يترجم حرية الإنسان ومسؤوليته. لهذا بين كانط، أن كل إنسان يتنازل عن استخدام عقله، يتحتم عليه أن يعيش في ظل وصاية من يقوم بالأشياء بدله، وهكذا يتحول إلى شخص تابع، عديم الإرادة والحرية. وبهذا المعنى، يصبح العقل، في نظر الفيلسوف، مرادفا للحرية والإرادة. ويصبح من يستخدم عقله صاحب إرادة حرة.
إذا كانت هذه الأفكار تجسد اختلافا فلسفيا حول قضايا تنسب إلى الذات البشرية؛ فكيف يا ترى ستكون المواقف بالنظر إلى الحرية في علاقتها بالقانون؟  !
3. الحرية والقانون
تؤكد حنا أرندت H. Arent أنه من الصعب تأكيد وجود حرية باطنية وجدانية بعيدا عن الاحتكاك بالواقع. ومن هذا المنطلق، فإن الحرية لا يمكن أن تدرك إلا من خلال الممارسة السياسية؛ لأن من شأن هذه الحرية أن تطبع الفكر والإرادة، وتمكن الفرد من ترجمة أفكاره عمليا دون محاسبة. علما بأن الحرية لم تكن دائما هي أساس التنظيمات الاجتماعية، فالأسرة والقبيلة مثلا تنظيمان يقومان على القرابة، ويشكلا تآلفا اجتماعيا من أجل البقاء. كما تجسد التنظيمات الاستبدادية الغياب المطلق للحرية. بل يمكن القول، إن الحرية ستتحول إلى إرهاصات داخلية غامضة غير قابلة للبرهنة (مثلا قد تتحول الحرية إلى طموح أو إلى أماني ...الخ).
وقد حاول بانجمان كونسطان B . Constant ، في وقت سابق، أن يعالج إشكالية الحرية في إطار مبدأي الحق والواجب، من خلال التأكيد على أن الحرية تتجسد في الحق الذي يملكه في عدم الامتثال لشيء آخر غير القانون. هكذا، سيتمكن الفرد من التعبير أفكاره وآرائه، ومن التمتع بممتلكاته دون مساءلة. بل، إن الفرد يضمن لنفسه حرية الاجتماع والتجمع، وأن يصبح فاعلا اجتماعيا وسياسيا..
إن قراءة سريعة لهذه الأفكار، تبين أن إقرار المفكر بالامتثال للقانون تأكيد في ذات الوقت بحضور الواجب. لأن الحرية التي يكفلها القانون حرية مؤسساتية، تحد من الحرية الفردية إذا كانت تمس بالمصلحة العامة.

خلاصة:
كتخريج لهذا الدرس، يتبين أن إثارة مفهوم الحرية يمكن أن يمتد، من المقاربة الفلسفية التي تحاول أن تعالج الإشكالية من منطلق يرتبط بكينونة الإنسان، لينتهي بمقاربة سياسية واقعية وميدانية. كما أن المقاربة السياسية، ليس من شأنها أن تلغي الأبعاد الأخلاقية للمفهوم. وحري بنا، أن نعرف، أن تفكير عامة الناس لا يستطيع أن يتمثل مفهوم الحرية إلا في المجال الواقعي، وبالتالي السياسي. لذا يتحتم العمل على أن يدرك الناس هذا المفهوم في أبعاده الواقعية وليس في أبعاده المجردة أو الصورية. ومن ثم، لا بد أن تقوم تربية النشء على ممارسة الحرية على مستوى الأسرة والمدرسة، وذلك من خلال إشراكهم في اتخاذ القرارات والتوجهات استشارة وتطبيقا. لأن من شأن ذلك أن يعود الأفراد على ممارسة الحرية في إطار مؤسساتي.  




درس الفن:
تحيل كلمة الفن مباشرة إلى الفنون الجميلة (الرسم، الغناء، الرقص، العزف، التمثيل...). كما تستعمل الكلمة كمرادف ل"تقنية" فالفن ينطوي على "تقنيات" أو ممارسات عملية. ولهذا نسمع عبارات من قبل "الجانب الفني"، فنون الطبخ"، فنون الحرب والقتال"... ويرتبط الفن بالجمال، فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بحسه الفني وذوقه الجمالي. كما أن التاريخ الإنساني هو تاريخ التحف الفنية والجمالية.
لقد تعطل التفكير الفلسفي في ماهية الفن بسبب عاملين اثنين ساهما في عدم قيام فلسفة الفن:
- الموقف الأفلاطوني من الفنانين والشعراء؛
- الموقف الكانطي بخصوص تفوق الجمال الطبيعي على الجمال الفني.
لذلك كان يجب انتظار مجيء هيجل الذي تجاوز الطلاق الأفلاطوني بين الفلسفة والفن إذ أصبح الفن معرفة حقيقية تتضمن رسالة أو فكرة أو مبدءاً و غاية.
•        فما هو العمل الفني؟ وما الذي يجعله فنيا؟
•        ما علاقة الفن بالجمال؟ وما أساس الحكم الجمالي؟
•        و هل للفن حقيقته وواقعه الخاص ؟ أم أن العمل الفني محاكاة للأشياء والأحاسيس والمواقف؟


1. مـاهــيـة الــفــن
يعتبر "ميشيل هار" أن التفكير في العمل الفني في ذاته والاشتغال على هذا الأثر من حيث هو كذلك، لم يبدأ إلا مع هايدغر و ميرلوبونتي الذين أعلنا عن استقلالية الأعمال الفنية وضرورة عدم اختزالها في ما تمنحه من منفعة حسية، أو الاكتفاء بالنظر إلى محتواه الفيزيائي، أو مخزونها الثقافي.
إن هذه المحاولة لم تبحث في الفن كموضوع للتفكير الميتافيزيقي المجرد، و لكنها تصورته بالأساس كنموذج للحقيقة الغامضة لوجود الإنسان وعلاقته بالعالم. وهذا ما يعني أن العمل الفني وحدة مستقلة للمعنى وللإحساس.
ينطلق هايدغر في تناوله لإشكالية العمل الفني و استبصاره لماهيته من حضور عنصر المادة داخله، فالأثر الفني هو قبل كل شيء مادة، تحمل و تنقل و تباع. يقول هايدغر: "إن الجانب الشيئي لصيق بالأثر الفني حتى إن الأثر الفني يضم فوق جانبه الشيئي جانبا آخر أيضا. هذا الآخر القائم في الأثر هو ما يشكل جانبه الفني... في الأثر يتم تأليف الشيء المصنوع مع آخر..." إذن الأثر الفني شيء مصنوع وإضافة أخرى هي التمثيل أو الرمز. وهذا ما يحدد ماهية العمل الفني.
غير أن هايدغر يمنح الشيء تعريفا خاصاً. فما هو الشيء إذن ؟ لم يكتفي هايدغر في تعريفه للشيء بما قدمته المقاربات الميتافيزيقية عندما ألحقت الشيء بالأثر دون أن تعرف ماهية هذا الشيء، ففي كتابه الدروب الموصدة يعتبر هذا الأخير أن معرفة أصل العمل الفني عملية صعبة و جد معقدة . إذ بغض النظر عن مكونات الأثر الفني التي هي أشياء يتساءل هايدغر عن من يسبق الآخر هل الأثر الفني أم الفنان ؟ فـ"من خلال العمل نعرف العامل " يقول هايدغر في أصل العمل الفني، بل إن الأثر الفني وحده من يجعل الفنان فناناً . إلا أن هايدغر سرعان ما ينتهي إلى التأكيد على أنـه إذا كان أصل العمل الفني هو الفنان ، فإن أصل الفنان هو الأثر الفني نفسه.
بعد أن يؤكد هايدغر على تعقد الظاهرة الفنية و حضور الجانب الشيئي فيه ؟ يعود هايدغر إلى التعريف بماهية الشيء؟
يقول هايدغر " الحجر المرمي على الطريق شيء القدر أو الكأس هي أشياء كذلك ؟ و عندما نضع ماءاً أو حليباً في هذه الآنية، تصبح بدورها أشياء.".  من هذا المثال يستنتج أنه بإمكاننا أن ننعت السحب في السماء بالشيء و القمح في الحقل بنفس الاسم، و حتى الأوراق المتساقطة على الأرض أيام الخريف يمكن أن تعتبر أشياء. إن الشيء هو ما يلزم وجوداً ما. لذا نقول إن العمل الفني شيءً لأنه موجود. إن الشيء عند هايدغر هو كل ما يدل على الوجود و الحياة، إن الشيء يمكن أن يكون كل شيء غير العدم والإنسان، و لا يمكن أن نصف إنساناً بالشيء، فنحن غالبا ما نتردد في قول الله شيء مثلما نتردد في وصف الفلاح في حقله، و المعلم في مدرسته بالشيء.إن ما ننعته بالشيء هو كل الأشياء الموجودة في الطبيعة و التي نستعملها في حياتنا اليومية. أو نصادفها كل يوم أمامنا على صفحات الوجود.
هل يمكن أن نتفق مع هايدغر في كون العمل الفني ليس شيئاً آخر غير الأشياء التي يتكون منها؟  
يرى، تلميذ هايدغر، هانز جورج غادمير أن "العمل الفني يمكن تعريفه بدقة على أساس عدم كونه شيئا قد تم إنتاجه الآن ويمكن إعادة إنتاجه مرارا وتكرارا". إن ما يميز العمل الفني هو الفردية وعدم القابلية للتكرار. لذلك فالفن إبداع أصيل وفريد من نوعه وليس عملا. إن الفن يتميز بالخصائص التالية حسب غاديمير:
• التجاوز: تجاوز العمليات العملية التي أنشأته؛
• التكيف: إنه إبداع متكيف بذاته؛
• أسلوب فهمه: يفرض نفسه باع_تباره تجليا خالصا يفهم في ذاته.

2. الحكم الجمالي          
من أين يستمد الشيء الجميل قيمته؟ للإجابة على هذا التساؤل ينبغي العودة إلى الفلسفة الكانطية.
يمثل كتاب كانط "نقد الحكم الجمالي" دعامة قوية في بناء علم الجمال. وفي مستهله يقرر كانط أنه  ليس من الممكن وضع قاعدة بموجبها يستطيع الإنسان أن يتعرف على جمال شيء ما، ولهذا فإن الحكم على الجمال حكم ذاتي، وهو يتغير من شخص إلى آخر ولهذا فإنه يختلف عن الحكم المنطقي القائم على التصورات العقلية. ومن هنا فالحكم ا لمتعلق بالذوق لا يمكن أن يدعي الموضوعية ولا الكلية. ورغم ذلك، فمن الممكن أن تتصف أحكام الذوق بصفة الكلية (الكوني) لأن الشروط الذاتية لملكة الحكم واحدة عند كل الناس. لهذا عرف كانط الجمال بـأنه "قانون بدون قانون". وفي معرض حديثه عن الفن يقول كانط :"إن الفن ليس تمثيلا لشيء جميل بقدر ما هو تمثيل جميل لشيء ما".  
وقد جادل كانط قائلا: "إن حكم الجمال أو الذوق ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة بالنسبة لكل البشر، لأن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر". لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في التجربة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر، هو الشكل، وليس الإحساسات بالتمثلات العقلية. بالإضافة إلى ذلك، نظر كانط إلى "الجميل" على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. وتعد المتعة الخاصة بالجميل والجليل متعة خاصة بالملكات المعرفية الخاصة بالخيال والحكم، عندما تتحرر من خضوعهما للعقل والفهم، أي تتحرر من قيود الخطاب المنطقي. إن الحكم التأملي لا يستمد - كما أشار كانط - من الخارج، لأنه حينئذ سيكون حكما محددا أو معينا أو حتميا أو طبيعيا، إنه ينتمي أكثر إلى مملكة الذات والوجدان والشعور، واليهما ينتمي كذلك الحكم الجمالي.
والفن الجميل في رأي كانط هو فن العبقرية، والعبقرية هي موهبة (أو هبة طبيعية) تمنح القاعدة (أو القانون) للفن. والموهبة ملكة فطرية خاصة بالفنان وتنتمي بذاتها إلى الطبيعة. ومن ثم فإن العبقرية هي استعداد عقلي فطري تقوم من خلالها الطبيعة بإعطاء القاعدة أو القانون للفن. ويقول كانط: "إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما". والذوق في رأيه ليس ملكة خلق أو إبداع، بل هو ملكة حكم فقط، وان ما بلائم الذوق لا يكون بالضرورة "عملا فنيا"، وإنما قد يكون مجرد أثر صناعي، أو نتاج نفعي أو عمل آلي ميكانيكي صرف.
ويخلص كانط إلى ضرورة اتحاد الذوق والعبقرية في العمل الفني، مادام من الضروري أن يتوافر كل من "الحكم والمخيلة" في الفن. فالفنان العبقري يحتاج إلى ملكات أربع هي: المخيلة والفهم والروح والذوق.
في مقابل الطرح الكانطي، ينتصب كريستيان دولكمبان للدفاع عن أطروحة مختلفة مفادها أن العمل الفني يستمد قيمته من قدرته على توجيه التفكير الإنساني نحو شيء معين. يقول: " إن الأهمية الحقيقية للعمل الفني لا تقاس بقيمته التجارية، ولا بعدد الأقمصة أو البطائق البريدية التي تشهر، بل تقاس بقدرته على جعلنا نفكر في شيء معين، ما كان بإمكاننا أن ندركه لولا هذا العمل الفني".
3. الـفـن والـواقـع          
هل يمثل الفن إعادة إنتاج للواقع أم تجاوزا لهذا الواقع؟
يرى أفلاطون أن الفن استنساخ للواقع ومحاكاة له. ومن هذا المنطلق فإن قيمته مبتذلة، لأنه ليس إلا تقليدا لعالم هو في حد ذاته مستنسخ. بمعنى آخر: إذا كانت المحسوسات صورا مزيفة لعالم للمثل، فإن العمل الفني تقليد لما هو مقلد أصلا. وبما أن الحقيقة السامية والمطلقة لا تتاح إلا بالارتباط بعالم المثل، فإن العمل الفني يبعد الناس عن الحقيقة. لقد كان أفلاطون يتصور أن ما يحط من قدر الفن، ويقلل من قيمة العمل الشعري، هو كونه يعتمد المحاكاة، مما يبعده كل البعد عن الحقيقة. يقول أفلاطون: "فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته، عندما يتحول إلى نثر". لهذا السبب طرد أفلاطون مكانا للفنانين والشعراء في مدينته. كان أفلاطون يستخدم فكرة المحاكاة كأداة، غير دقيقة، لنقد الفن وهدم أسسه، من وجهة نظر فلسفية مثالية، تتغنى بالجمال وبالجميل، ظاهريا، وتستبعده بكيفية نـهائية من الحياة الواقعية للناس، وليس كمبدأ  لتفسير ظاهرة الفن وإظهار طبيعة العمل الشعري والفني.
أما أرسطو، فينطلق في تحليله  ودراسته للظاهرة الشعرية والفنية، من التأكيد على أن الفعالية الشعرية والفنية، لدى المبدعين عموما، تتعلق أساسا بالمحاكاة، وتختلف الأعمال والمبدعات الفنية والشعرية، بعد ذلك، تبعا للأنحاء التي  تكون بـها المحاكاة، وهي إما ترجع إلى الوسائل أو الموضوعات أو الأسلوب والشكل الفني. والمحاكاة في استعمال أرسطو، هي بالإضافة إلى كونـها مبدأ سببيا للشعر والفن، فهي أيضا، وقبل ذلك، مبدأ غريزي في الإنسان، يرتبط به تهيؤ الإنسان لتقبل المعارف الأولي
avatar
محمد اجهبلي
Admin

المساهمات : 13
تاريخ التسجيل : 05/02/2010
العمر : 36
الموقع : www.mohammedjhabli.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jhabli.ahlamountada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى